مصطفى لبيب عبد الغني
139
منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )
الموضوعية خصيصة أساسية من خصائص النظر العقلي ، وسمة جوهرية من سمات البحث العلمي عند الرازي . وهو بالفعل نموذج حي لذلك النمط من كبار العلماء الذي يسيطر على أهوائه ولا ينحاز لرأى دونما سند أو دليل ولا يتعصب أو يخدع نفسه ولا يخضع لسلطة تلغى عقله أو تنوب عنه في التفكير والتدبير ، ومثال صادق للأناة والصبر والتواضع يراجع نفسه دائما ليرجع إلى الصواب متى يستبين ، شغوف بالبحث والدرس شغفه بأعز الغايات والأماني . كان الرازي يدرك حق الإدراك الأهمية البالغة لإرادة قمع الهوى ، والتي هي أمارة الانسان العاقل ؛ فالعقل عنده ليس مجرد فعل تأمل وردية ولكنه أيضا فعل من أفعال الإرادة أو - بتعبير أدق - « فاعلية » ونشاط موجّه . والرازي صريح في اعتبار أن « أشرف الأصول وأجلّها وأعونها . . . قمع الهوى ومخالفة ما يدعو إليه الطباع في أكثر الأحوال وتمرين النفس على ذلك وتدريجها إليه ، فإن أول فضل للناس على البهائم هو هذا أعنى ملكه الإرادة وإطلاق الفعل بعد الروية » « 1 » . فالرازى يسلّم بأن مقدار هذا الفضل في زم الطبع هو لأكثر الناس ، وإن كان ذلك تأديبا وتعليما إلا أنه عام شامل وقريب واضح يعتاده الطفل وينشأ عليه ، ولا يحتاج فيه إلا الكلام » « 2 » . والسيطرة على أهواء النفس وانفعالاتها أو زمّ الهوى أمر يوجبه الرازي على العقلاء سبيلا لا محيص عنه لبلوغ الحقيقة ؛ « فحقيق بنا أن نسلّط العقل على الهوى الذي هو آفته ومكدّره والحائد به عن سنته ومحجته وقصده واستقامته والمانع من أن يصيب به العاقل رشده وما فيه صلاح عواقب أمره ، بل نروضه ونذلله ونحمله ونجبره علي الوقوف عند أمره ونهيه . فإنا إذا فعلنا ذلك صفا لنا
--> ( 1 ) الرازي : « الطب الروحاني » ، ص 20 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 20 - 21 .